محمد حسين علي الصغير
216
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) « 1 » . ولقد كانت هذه النفوس أكثر سرورا بادخالها في عباده وحشرها في زمرة أوليائه من ادخالها في جنته ، لأن النفس الزكية تتسم بشفافية روحية تجعلها تنظر بعين الغبطة والرضا إلى اندماجها في عباد اللّه ، فهي بذلك أشد فرحا وتأثرا وانجذابا من اندماجها في دخول الجنة ، وإن كان دخول الجنة جليلا ، إلا أن مخالطتها للعباد الصالحين أمر يتصف بالروحانية المطلقة ، وهذه الروحانية تحقق لهم مزيدا من الرغبة العارمة ، فلقاء محمد وآل محمد ، وإبراهيم وآل إبراهيم مثلا ، أكثر تقبلا في نفوس الخاصة من الأولياء ، وأسمى منزلة من دخول الجنة ، فإذا أضيفت لهذه الروحانية البشارة بأن : لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، تكاملت السعادة من أطرافها ، إذ امتزج القرب الروحي بالاطمئنان إلى الشعور النفسي بالاستقرار والأمن والسلامة ، فلا الخوف يخشى ، ولا الحزن يقترب ، وهما مظهران من مظاهر القلق النفسي ، وبابتعادهما يتفرغ الشعور لاستقبال الملاذ والمتع الحسية ، لهذا يأتي بعد هذا النداء تحقيق الوعد بما أدخر لهم اللّه في ذلك اليوم من نعم ومتع وسرور ، جزاء على إيمانهم اللامحدود ، وإسلامهم المقترن بصالح الأعمال : الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ( 69 ) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( 70 ) . وتأتي سلسلة اللذائذ الحسية مسبوقة بأمر الدخول إلى الجنة غير مستوحشين ولا فرادى ، بل هم وأزواجهم ليجتمع الشمل ، وتعمّ الفرحة بما يطفح بشره ، ويتجلى أثره في نضرة الوجوه ، وازدهار القسيمات ، وحينما يدخلون الجنة يطاف عليهم بالأواني الذهبية الثمينة ، وبأكواب تتصف بالصفة ذاتها ، لتتم نعمة كل من الأكل والشرب بآنيتهما المخصصة لهما ، فتلك صحاف للمأكول ، وهذه أكواب للمشروب ، فإذا حصل الاشباع في الأطعمة والأشربة ، وهما من مظاهر التّرفّه والتنعم ، أضيف مختلجات النفس الانسانية فيما تتطلبه من شهوات وملاذ وطرف ، فإذا تكامل ذلك بقيت اللذة الكبرى فيما تتمتع به العيون ، فأعطي ذلك لهم لتتم السعادة
--> ( 1 ) الفجر : 27 - 30 .